Samedi 11 février 2012 6 11 /02 /Fév /2012 20:16

 

 

 

قضيت اليوم الأول بينهم  أتجول في عوالمهم العجيبة، وأتأمل في وجوههم المشرقة التي تعكس اطمئنانا نفسيا وروحيا لا تخطئه النظر. أمشي وأنا مأخوذ بكل ما تلتقطه العين في ذهول. لم يخطر لي بالبال قط أن أدخل عالما بهذا الجمال والروعة، إنه يقترب إلى ما يشبه الكمال. وأنا أتجول بين في هذا الفضاء الذي اختار سكان الجبل أن يستوطنوه ويعمروه بعيدا عن غبار وتراب وعتمات الحفر لاحظت أن الهدوء والسكينة هما سيدا المكان والزمان، إنه هدوء بارد ومنعش كنسيم يفاجئك في صحراء ممتدة على حدود البصر وأنت الذي كنت ماشيا وحدك بلا حادي يقودك، تغالب الرمل وتداري الحصى وأشعة الشمس الحارقة بمنديل مثقوب، هدوء يرغمني على المشي بحذر وتؤدة رغم أن ليس هناك ما يدعوا لذلك، صوت حدائي المهتري والمرقع والذي أضفت إليه صفيحة صغيرة من حديد في كعبه حتى أحميه من التآكل يقلقني ويزعجني، ولا أشك أنه سيزعج سكان الجبل بصوته الذي يشبه وقع مطرقة على السندنان، لم يكن يحدث مثل هذا الصوت عندما كنت في الحفرة، كان صامتا منذ أن انتعلته، وها هو اليوم يفضحني، رفعت كعب الحداء ومشيت على مشطه حتى لا يحتك بالإسفلت، لكن سرعان ما تعبت أصابع قدماي، وشعرت بالألم وقررت التخلص من الحذاء، نزعته ووضعت تحت إبطي ومضيت..لا أخفيكم سعادتي الغامرة عندما وطأت قدماي الحافيتين الأرض، فقد أحسست براحة افتقدتها منذ فترة طويلة، كنت سعيدا في حدائي البائس، ولكن لم أعلم حجم الأذى الذي كان يسببه لي...

 

مضيت متوغلا في الأزقة والشوارع، أقرأ تفاصيل وجزئيات المكان، وأجهد فكري لفهم كل العلامات والرموز والإشارات التي تنبعث من كل زاوية من زوايا الأمكنة الذي أتسكع فيه..ما يزال بالي مشغولا بهذا الصمت الذي يهيمن ها هنا، وقلبي غير مطمئن، حاولت ان أتبين مصدر هذا القلق لكن دون جدوى، تساءلت عما يجري هنا، والأسرار التي يخبئه المكان، وخيل لي أني أدخل مدينة الأموات، لا حركة ولا ضجيج ولا صياح...الذي تعودت على في حفرتي...لا شيء من كل هذا، فقط أضواء خافتة تطل عليك من النوافذ المغلقة ونصف مفتوحة لإقامات ودور في غاية الأناقة والأبهة وعبير الأزهار والورود التي تفوح من حدائقها...

 

استأنفت السير على أمل أن أجد شيئا ما تعودت على رؤيته في عالم حفرتي:

 

* لا وجود لليل طويل وموحش حيث لا نور ولا إنارة ليحول الظلام إلى مكان آمن للحشاشين والمخمورين والمدمنين على المخدرات واللصوص ليتحول الظلام إلى مصيدة تنصب للعابرين والعابرات الذين تضطرهم ظروفهم للبقاء خارج البيت حتى وقت متأخر فيتعرضون للسرقة والاغتصاب والقتل، بل هنا نهار دائم ولا مكان للاختباء...

 

* لا حرفي محمحم متسخ يدق بمطرقته على الحديد وقد تراكم الفحم والرماد في كل مكان من الزقاق، وصوت المطرقة يصم أذني ويمنعني الراحة والنوم لأنه لا يكاد يفارق أذني واضطررت إلى العيش معه كأنه ولد معي.

 

* لا وجود لأطفال متروكون لأنفسهم وبدون مراقبة يلعبون ويمرحون بعيدين عن أعين المراقبة فيتعلمون لغة وسلوكات منحطة، أو تراهم مشردين في الشوارع يمارسون الأعمال الشاقة لا يتحملها جسدهم الصغير، ولا أرواحهم الهشة، أو يتسولون في الشوارع والساحات العامة وحين ينزل الليل ينامون في المحطات أو على كراسي الحدائق العامة...

 

* لا نساء متجمعات في الأزقة أو الشوارع أو أمام بيوتهن بلا شغل يتحدثن بصوت عال، أو يتخاصمن بصوت مرتفع ويتبادلن كلاما بديئا. أو في أحسن الأحوال يضعن أطفالهن بين أرجلهن ويبحثن في رؤوسهم عن قملة يستمتعن بصوتها وهي تقتل بين أظفارهن، أو يمضغن الحُمّص في أفواههن وبعد أن يصبح عجينا يُلقمنها أفواه أطفالهن..

 

 * لا كهول أو شيوخ في أرذل العمر يمدون أياديهم طلبا للصدقة أو العون عن زمن أكلهم ولم يمنحهم غير الألم أو يقضون ما تبقى لهم من العمر أمام الدكاكين يشغلون أنفسهم بلعب الورق أو ما شابه ويعيدون ويكررون فتوحاتهم عندما كانوا شبابا. أو يقضون سحابة يومهم من الفجر حتى العشاء أمام المساجد لا يغادرون إلا عندما يلسعهم الجوع أو البرد القرس، ثم إني بحث عن مسجد في هذا الفضاء الهادئ فلم أعثر له عن أثر وكأن سكان الجبل لا وقت لديهم ليداوموا عليه من الفجر إلى العشاء.

 

* لا وجود لباعة متجولين يجرون عرباتهم المحملة بخضر وفواكه وأطعمة وقد علاها الغبار، وتراقص فوقها الذباب، وعبثت بها أشعة الشمس وأيادي الزبائن لتتلفها وتغير لونها وطعمها ورائحتها، أو يعرضون بضائعهم على الأرصفة ويحتلون الأزقة والشوارع، ويصبح العبور جحيم.

 

* لا شباب مسمر على الحائط في انتظار الذي يأتي أو لا يأتي يقضون أوقاتهم باحثين عن عمل لن يحصلوه أو لذة مجانية ورخيسة...

 

وتساءلت متعجبا: ترى أن يدرسون أبناؤهم؟ أين يتعالجون؟ أين يستحمون؟ أين يجتمعون؟ أين يتسوقون؟ وأين يقضون وقتهم الثالث؟ وأين وأين..

 

هنا، كل شيء موضوع بعناية فائقة، وكل شيء مرتب ومنظم وموضوع في مكانه، أما الوحيد الذي الحالة الشاذة في هذا الجبل، واندهشت لأني عيون المراقبة لم ترصدني..على أي فقد شعرت أن بقائي هنا قد يسبب لي متاعب أنا في غنى عنها، هممت بالمغادرة فإذا بيد أتت من لا مكان تمسكني من كتفي...

 

يتبع...

 

 

 

Par موقع الكاتب الشاعر الباحث ا - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mercredi 8 février 2012 3 08 /02 /Fév /2012 21:27

 

هل تعرفون ـ قرائي الأعزاء ـ ما الذي جرى بعد أن نجحت في الوصول إلى قمة الجبل، بعد مشقة بالغة؟ إليكم بقية الحكاية. أن تصدقوها أو لا تصدقوها فهذا متروك لنباهتكم.

 

وأنا في قمة النشوة، بعد أن رفعت التحدي، استلقيت محتميا بظل ما اعتقدته في بادئ الأمر أنها شجرة مثمرة قبل أن أكتشف أن الفاكهة التي تحملها كانت سرابية، لكني ـ وهذا ما وجدت فيه عزائي ـ أحسست أني قد وفيت لنفسي بوعدي، وبلغت بها القمة، رغم التحديات والمثبطات. ابتسمت ابتسامة بلهاء، ونظرت إلى السماء الداكنة، وهاجمني النوم، وسلمت له أمري...

 

عندما فتحت عيني، خيل إلي أني أرى القمر قد انتصف السماء، وأضاء الفضاء من حولي كإله صغير لا يملك المرء إلا أن يصلي له، وأدركت على التو لماذا سجد له الأنبياء وقدسه الكهان وعظمه الناس في كل العصور والثقافات والحضارات، إنه مثال للرحمة والرهبة، واهب الأمان والسلام والاطمئنان الروحي والعقلي والنفسي، إلا أن بعض الغيوم التي كانت تعبر السماء كانت تشوش عليه، وتشوه طلعته، فبدا وكأنه يشاغبني. كما هيئ لي أني أرى رجالا ونساء وأطفالا يقطعون المكان ذهابا وإيابا بانضباط وانتظام. انتابني شعور الخوف والرعب، وخشيت أن أقع أسيرا في أيديهم، فقد اقتحمت عليهم عالمهم بدون سابق إعلان، وربما سيروْن في وجودي مصدر خطر وتهديد وبالتالي فالطريقة الوحيدة لحماية عالمهم هذا هو التخلص مني وبسرعة. الوضع المفاجئ الذي وُجِدت فيه أملى عليَّ أن أبحث عن مكان آمن اختفي فيه حتى يطلع النهار وأعود إلى حفرتي، لكن الوقت قد فات، ثم لا مكان للاختباء فالمكان مفتوح، ومتى تحركت فضوء القمر سَيدُل عليَّ، والهرب أمر مستحيل...فما كان علي إلا أن أسلم نفسي لله، وأنتظر ما سيحصل...

 

مرت ساعات وساعات دون أن يتقدم نحوي أحد، كان الفجر على وشك الطلوع، وسكان الجبل يمارسون حياتهم بشكل عادي، بعد تردد طويل اتخذت القرار الحاسم، وقفت متشجعا واتجهت نحوهم متحديا سرت بينهم، واستغربت لأن لا أحد انتبه لوجودي، كانوا منشغلين عني بأمورهم الخاصة، حييت أحدهم فرد التحية واستأنف سيره. تقدمت نحو شاب أسأله عن اسم المكان فلم يجب...ضحكت في وجه طفل فهرب مني نحو والدته...وتواردت الأسئلة: "ما هذا العالم الذي وجدتني فيه؟"، "أي مأزق هذا؟"،  أقول لكم وبصدق إنه عالم يقيم على حافة تفصل بين الأسطورة والواقع...

 

ولكي تأخذوا ـ قرائي الأعزاء ـ نظرة عن هذا العالم الذي دخلته فجأة سأحدثكم عن بعض المظاهر التي يمكن ملاحظتها بسرعة، وما سأقوله هو ضئيل لأن الحديث عن هذا العالم بتفاصيله واستكناه خباياه يتطلب العيش معهم لمدة طويلة وهذا ما أعتقد أنه لن يُتاح لي. ولكن سأحاول أن أرسم لكم صورة تقريبية لحياتهم.

 

إنهم يعيشون في هدوء وسكينة، وكل واحد منهم يعرف الآخر بالاسم وكأنهم عائلة واحدة، وكل عائلة تتمتع بثروة تجعلها تعيش في بحبوحة من رغد العيش، ملابسهم في غاية الأناقة والأبهة، تبدو على وجوههم ملامح الرفاهية المفرطة أحينا، بيئتهم نظيفة فلا شيء يلوثها، طرقهم ومساكنهم وشوارعهم أنيقة، تتمتع غالبيتهم بصحة جيدة إلا القلة التي تعاني من ضيق في التنفس ربما لقلة الأكسجين في الهواء بسبب استقرارهم في مكان عالٍ، يتحدثون فيما بينهم بلباقة واحترام زائد، وإذا ما واجه أحدهم متاعب مادية أو صحية وجدت الجميع إلى جانبه ورهن إشارته، كنتُ الوحيد بينهم الذي تبدو عليه سمات التشرد والضياع والبؤس، وكانوا ينظرون إلي ويبتسمون وكأنهم يتساءلون عن الكيفية التي وصلت بها إلى عالمهم، إنها أشبه بنظرة إشفاق، بل هو الإشفاق ذاته. أطفالهم في غاية الأدب والذكاء، وشبابهم متعلم أحسن تعليم باستثناء بعضهم ممن اختاروا التمرد على حياة مجتمعهم، نساؤهم جميلات ومهذبات ومنفتحات على العالم الخارجي، منخرطات في حركة مجتمعهم...وباختصار إنه عالم أثار فضولي، ودفعني إلى إعادة النظر في كثير من القناعات التي كنت أومن بها إيمانا مطلقا عندما كنت قابعا في حفرتي، والتي اعتقدت أن لا حقيقة أخرى غيرها، وأبديت كل الاستعداد لأدافع عنها ولو بحياتي، لقد علمتني ثقافة الحفر الاستكانة والخضوع والتوكل والخرافة والشعوذة والطقوس الغريبة التي لا معنى لها والتحدث بلسان واحد قدسته ولم أرض به بديلا، وسرت في طريق واحد وكأنه هو الوحيد الموجود فوق هذه البسيطة، وهو الطريق الذي لم يفرض علي فحسب بل فرض على كل الناس أن يسيروا فيه لا فرق بين المبصر والأعمى، ولا بين الماشي على أقدامه والكسيح، كل في سلة واحدة ولا خيار لأحد... تعلمت الخوف من نفسي ومن قوى خفية تتحكم في كل شاذة وفادة من حياتي، أرهبوني بحكايات وأساطير لا وجود لها إلا في مخيلات من يحكونها، علموني أن الصمت حكمة، وأن العجز تواضع، والخضوع طاعة، العبودية سيادة، والحب فسق وفجور، والجبن تعقل...علموني كل هذه القيم وغيرها واقتنعت بها، ومارستها ووجدت فيها تعويضا عن عجزي وخنوعي وبؤسي...

 

أما هنا في هذا المجتمع الذي يسكن قمة الجبل فالأشياء والقيم تبدو مختلفة، يكفي أن تلقي نظرة على الوادي الذي اخترته لأقضي فيه أيام عزلتي لتعلم أن لا وجود له، إنه لا يظهر للعين المجردة، إنه في حكم العدم..ثم إنهم لا حاجة للخوف ليظهروا الشجاعة، ولا إلى العبودية ليكونوا أسيادا، ولا إلى الأساطير ليعيشوا الحلم بديلا، فحياتهم في حقيقتها أشبه بالحلم، ولا حاجة للصمت ليظهروا الحكمة، فعندما تسمعهم يتحدثون فإن كلامهم أشبه بكلام الحكماء بما فيه كلام أطفالهم، ثم إنهم يتكلمون لغات كثيرة، والعجيب أنهم يتفاهمون بها جميعا، أما الطرق التي اتخذوها مسالك لهم فهي متنوعة على العكس عما هو موجود في الحفر، فكل شخص له الحق في أن يمشي في الطريق التي تناسبه. أما طقوسهم وفي كل المناسبات فأشبع بما نقرأه في حكايات ألف ليلة وليلة...

 

والعجيب أني لو لم أتجشم طلوع الجبل لما اكتشفت هذه الحقيقة، فحكمة الحفرة تقول: "الذين يرون الناس من الأعالي يبدون لهم صغارا، ولكن هم لا يبدون للناس" ولكن الحقيقة المرة هي أن الذين يسكنون الجبل لا ينظرون بتاتا إلى الأسفل، ويجهلون مطلقا إن كان البشر فعلا قادرين على العيش في الحفر كالأرانب أو الفئران وما شابه...

 

باختصار ، فحياتهم أشبه بنوطات سمفونية موسيقية، كل واحد منهم يعرف مكانه ومكانته ولا يحاول أن يتجاوزها إلا بشروط متفق عليها مسبقا، ولهذا يعيشون في تناغم تام مع أنفسهم ومع بعضهم البعض، ومع بيئتهم...

 

يُتبع.

 

Par موقع الكاتب الشاعر الباحث ا - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Lundi 30 janvier 2012 1 30 /01 /Jan /2012 22:34

 006

إهــــــــــــــــداء

 

إلى الشَّهِيد ابني "محسن" الذي كَانَ لِي:

 

هَسِيسُ نَجْمٍ يَتلأْلأُ فِي مَلَكُوتِهِ

دَفْقةُ نَسِيمٍ تَمُرّ فَوْقَ مُرُوج حَياتِي

إشْرَاقَةُ نُورِ فَجْرٍ مُتوَهّجٍ،

ابتِسَامَةٌ تُرَقِّصُهاَ

شَفتَيْ رَضيعٍ،

سُبْحَاتِ بِلَّورٍ تُمَرّرُهَا

أنامِلُ نَبِيّ،

بَهْجَة عِطْرِ تَسْكُنُ

خَدّ الزّهْرِ،

وَبَيْني وبَيْنَهُ

ألَقٌ شَفّافٌ

فأرَاهُ ويَرَانِي،

يُسَامِرُني،

مَتَى أطَلْتُ النَّظرَ

فِي البَيَاضِ.

Par موقع الكاتب الشاعر الباحث ا - Publié dans : ديوان ترانيم لعضفور الكثر - Communauté : شعر
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Lundi 23 janvier 2012 1 23 /01 /Jan /2012 21:43

أيام في العزلة: اليوم 23

 

 استرخيت قرب ضفة النهر، ورحت أتأمل وأقيِّمُ لحظات العزلة هذه التي اخترتها طواعية، وما هي إلا لحظات حتى انتابني شعور بالإختناق والضيق لم أتبين حينها مصدرهما، نهضت وبدأت أتمشى ذهابا وإيابا على الضفة لعلي أتخلص مما أنا فيه، لكن القلق والتوتر تضاعفا وكان علي أن أجد مخرجا فوريا وإلا فإن أيام العزلة ستنتهي وعلي أن أجمع حاجياتي وأغادر المكان وأعود إلى المجتمع لأذوب فيه من جديد وأشاركهم لعبة الحياة البائسة والسخيفة التي يحيونها. وكأنه برق لمع على حين غرة خطرت لي فكرة الصعود إلى الجبل لعلي من أعلى قمته أرى العالم من زاوية أخرى وبمنظور جديد ـ وأصدقكم القول ـ في واقع الأمر مللت العيش بين هذه الوديان الخانقة التي لم أغادرها منذ أن حططت الرحال بها، وضاعف هذا الإحساس استحضاري للأبيات الشعرية التي تقول:

 

ومن لا يحب صعود الجبال     يعش أبد الدهر بين الحفر.

 

ولأني لست من عشاق الحفر فقد قررت أن أخوض غمار تجربة الصعود في أول فرصة تتاح لي وهو ما حصل بالفعل في يوم ربيعي جميل يغري ويشجع على تحدي شموخ وهيبة الجبل الذي يراقبني بسخرية واحتقار، لكن ذلك لم ولن يمنعني على تنفيذ قراري الحاسم. وإليكم ما جرى ذلك اليوم ـ أن تصدقوا الحكاية أو لا تصدقوها ـ فهذا أمر آخر..

 

وأنا أضع أول قدم على طريق الصعود في ذلك الصباح الباكر من أحد أيام فصل الربيع حاملا معي قنينتين من الماء وبعض قطع السكر شعرت بالحماس الشديد لخوض هذه المغامرة التي لم تخطر لي على البال. يبدأ الطريق منبسطا لبضعة أمتار ثم يتعرج يمينا فوق حافة مستقيمة، تفاديت النظر إلى أسفل حتى لا أصاب بالدوار، وحتى لا أحن إلى الحفر و تابعت السير، فجأة وجدت نفسي وسط الأحراش والأعشاب الخضراء والزهور العطرة فغمرتني السعادة، وكنت بين الحين والآخر أتوقف لأستكشف البيئة من حولي، أتأمل ألوان الزهور، أشتم رائحتها، وأنتعش..بدأ الإحساس بالقلق والتوتر يزولان تدريجيان ليفسحا المجال لنشوة غامرة تكتنفني كلية، وازداد حماسي للصعود وكنت بين الحين والآخر أضع قطعة سكر في فمي، ثم أتبعها برشفات من الماء البارد المنعش..وظننت أن ما أقدم عليه هو مجرد جولة عادية وليست مغامرة كما تهيأ لي أول الأمر..

 

ساعتان من المتعة الأخاذة صعودا قبل أن أفاجأ بما رأيت، فبدون سابق إعلان توقف العشب على النمو، واختفت الزهور الرائعة، وارتفعت درجة الحرارة، وبدت الأرض جرداء لا شيء فيها غير الموت والخوف والرعب، لم أكن أتوقع أن الأمور ستسوء بسرعة فانتابتني المخاوف وبدا لي أن الحيطة والحذر تقتضيان مني اتخاذ قرار العودة وبسرعة قبل أن تتحول المغامرة إلى كارثة يصعب إصلاحها، وكأن هاجسا يهمس لي: "الحفرة آمنة، وأنت تعودت عليها فلا تعاند قدرك، عد إلى حفرتك فهي أسلم لك." هو صوت إذا من الأعماق يحذرني، ويطلب مني العودة، فهل أستجيب له؟..وأنا أحاور هاجسي لم أتوقف على المضي قدما إلى هدفي. "أنا لست من عشاق الحفر..وسأصعد هذا الجبل مهما كلف الثمن." جمعت ما تبقى لي من قوة، وتشبثت بعزيمتي وإصراري، رفعت رأسي ورأيت القمة شامخة ومتحدية، وانطلقت من جديد في الصعود..وما هي إلا مسافة قليلة حتى أحسست بالدوار، وشعرت برعشة خفيفة تصعد من أخمص قدمي حتى رأسي، وخيل لي أني أسمع أصواتا من الحفر تناديني:

 

الصوت الأول: "إلى أين أنت ذاهب، هل أصبت بالجنون، أنت تقامر بحياتك..."

الصوت الثاني: "لا تعاند قدرك، أنت خلقت للحفر، أنتما صنوان لا وجود لأحد بدون الأخر.."

الصوت الثالث: "لن تصل... أنت أضعف من أن تصل القمة...ثم إنك وحيد وزادك قليل...كن حكيما وعد لإخوانك وأهلك، إنهم في حاجة إليك..."

 

مسحت وجهي ببعض الماء، وتجاهلت الأصوات المحبطة، تحاملت ومضيت نحو هدفي، فجأة بدأ العرق يتصبب من جبينين وغمرتني الرعشة، وتوقفت لأسترجع أنفاسي... فإذا بنفس الأصوات تضج في أذني:  "عد وخذنا معك، نريد أن نرى الدنيا من الأعلى... نرجوك عد واحملنا على كتفك واصعد بنا الجبل، ليس عدلا أن تتركنا هنا في هذه الحفر وتصعد أنت..."

 

كانوا يتطلعون إلي بعيون خابيات، ووجوه مكفهرة، وقلوبهم محطمة، وعقولهم جوفاء، كانوا فاقدين لآدميتهم كأنهم خرجوا توّا من عاصفة غبارية أو مقبرة.تبدو عليهم ملامح الانكسار والهوان والذل، وعلامات البلادة والخوف والاستسلام لمصائرهم وأقدارهم...لم أحببهم، ولم أكرههم، ولكن أشفقت عليهم. سرعان ما تجاهلتهم وركزت نطري من جديد نحو القمة واستأنفت السير صعودا رغم أني بدأت أفقد تركيزي، تشوش فكري ولكن اليقين في الوصول لم يفارقني قط، وأنا أقترب من القمة تناهت إلى مسامعي نفس الأصوات، لكن نبراتها كانت أكثر عدوانية: "عد أيها الأناني، السافل، الزنديق، كيف تصعد وحدك وتتركنا هنا، نحن الأفضل والأولى، ولكن لا عليك سنرى من ينتصر، نحن سنعيش لأننا رضينا بما قسمه الله لنا، وأنت تتحدى إرادة الله سيكون عقابك شديدا...عد وابق معنا في الحفرة، ألست واحدا منا؟..." شيئا فشيئا اختفت ملامح هؤلاء الأشقياء وابتلعوا أصواتهم. حيت انبعت صوت من أعماقي يخاطبني: " امض بهدوء، لا تنظر إلى الأعلى ولا تنشغل بالأسفل...سر ما استطاعت قدماك أن تحملاك، وقتها، وصلت أم لم تصل فإنك سترضى على نفسك لأنك حاولت...ولا تيأس وإذا قدر لك أن تفشل فأعد الكرة مرة أخرى، إن إيمانك بما تفعل هو من سيحدث الفرق " سكت الصوت كما بدأ بدون سابق إعلان، دم جديد تدفق في عروقي، ومضيت صعدا.

 

وأنا أضع قدمي على قمة الجبل، أحسست بنشوة الانتصار، شربت جرعتين من الماء، واستلقيت لأستعيد أنفاسي...

 

 

Par موقع الكاتب الشاعر الباحث ا - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Lundi 23 janvier 2012 1 23 /01 /Jan /2012 20:32

 

 

006.JPG

 

 

عنوان الكتاب: ترنيمة لعصفور الكوثر.

تاريخ النشر: 2012.

مضمون الكتاب: نص شعري هو عبارة عن مرثية

في المرحوم إبني محسن

الذي قضى في حادثة سير منذ أربع سنوات

Par موقع الكاتب الشاعر الباحث ا - Publié dans : مؤلفاتي mes livres - Communauté : شعر
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Recherche

Derniers Commentaires

Profil

  • موقع الكاتب الشاعر الباحث ا
  • Le blog de الأحلام الآتية
  • Homme
  • maroc azilal
  • art photo Culture photographie poésie
  • * شاعر وكاتب وباحث. * poète ecrivain chercheur.

Calendrier

Février 2012
L M M J V S D
    1 2 3 4 5
6 7 8 9 10 11 12
13 14 15 16 17 18 19
20 21 22 23 24 25 26
27 28 29        
<< < > >>

Présentation

Images Aléatoires

  • حي - دوار أقرمود
  • الوثيقة 86
  • بلدة فم الجمعة
  • قصر المرابطين
  • هدية زواج 3
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés