Mardi 22 décembre 2009 2 22 /12 /Déc /2009 20:08

مَطَرٌ خَفيفٌ يَرُشُّ الأرْضَ هَذا الصَّبَاحَ الرَّبِيعِي المُشْرِق، عَبَقُ رَائِحَةِ التُّرَابِ تَنْتَشِرُ فِي الأنْحَاءِ، إنَّهَا رَائِحَةُ الخَلْقِ الأولَى، تُذَكِّرُنِي بِرائِحَةِ بَيْتِنَا الطِّينِيِّ حِينَ تَسْتَيْقِظُ والِدَتِي بَاكِرًا لِتَنْكُسَهُ وَتَرُشُّهُ بالمَاءِ رَشًّا خَفِيفًا. تَنَاوَلْتُ بَعْضَ الطَّعَامِ دَاخِلَ الخَيْمَةِ،  وَخَرَجْتُ أتَأمَّلُ الفُقَاعَاتِ التِي تَرْقُصُ حِينَ تُلاَمِسُ حُبَيْبَاتِ المَطَرِ خَدَّ النَّهْرِ فَيَتَعَانَقُ المَاءُ بالمَاءِ، يَذُوبَانِ فِي بَعْضِهِمَا، وتَشْتَعِلُ الأضْوَاءُ، يَتَحَوَّلُ الفَضَاءُ إلَى مَرْقَصٍ مَجْنُونٍ، فَيَكُونُ الاحْتِفَالُ، ويَكُونُ المِهْرَجَانُ.

 

 

مَنْ يُفَكِّرُ فِي المَاءِ، يَشْعُرُ بِالحَيْرَةِ، يُصَابُ بالدُّوارِ. فَمَنْ يَا تُرَى يَسْتَطِيع أنْ يَقُولَ لَنَا مِنْ أيْنَ جَاءَ كُل هَذا المَاءِ؟.. يَتَوَقَّفُ المَطَرُ فَجْأةً، ويَعْبُرُ السَّحابُ الدّاكِنُ بَحْرَ السّماءِ بِهَمْسٍ. تَتَفَتَّحُ أبْوَابٌ زَرْقَاء، مِنْهَا يَتَسَلّلُ البَصَرُ عَمِيقاً بَيْنَ تَجَاوِيفِهاَ، فَلاَ يَرَى سِوَى عَيْنَيْهِ، وَعلَى الأرْضِ يَنْبَسِطُ اللّوْنُ الأخْضَرُ المُوَشَّى، يَتَعَرَّى الجَمَالُ، تَنْكَشِفُ الأنُوثَةُ، يَصْدَحُ الَطَّيْرُ، يُغَنِّي الخَرِيرُ، تَتَدَلَّى الجَدائِلُ، تَفُوحُ العُطورُ، الكُلّ يَجْهَدُ ويَجْتَهِدُ لِيُبْرِزَ عَبْقَرِيَتَهُ الفَنِّيَةَ والجَمَالِيّةَ، كُلّ فِي مَجالِهِ..الجَمِيعُ يَرْكَبُونَ بِسَاطَ النَّسِيمِ، يَطُوفُونَ الأنْحَاءَ لِيَزْرَعُوا الخِصْبَ فِي المَنَاطِقِ المَنْسِيَةِ لِكَوْنٍ لاَ مُتَناهٍ، فِي مِثْلِ هَذَا الفَصْلِ تُبْدِعُ الطّبِيعَةُ اللَّوْنَ والنَّغْمَةَ والحَرَكَةَ والرَّائِحَةَ ويَكُونُ الفَنُّ، تُقِيمُ طُقُوسَها الخَاصَّة فَتَكُونُ  المَدْعُوَةَ والمُحْتَفِلَةَ فِي نَفْسِ الآن، وأكُونُ أنَا الشّاهِدُ الآتِي مِنَ الخَوَاءِ لأتَلَصَّصَ علَى أسْرَارِهَا المَخْفِيَةِ عَنْ عُيُونِ البَشَرِ، وأمْتَلِئُ.

 

 

عَذْرَاءٌ هِيَ الطَّبِيعَةُ حِينَ تَعْدُو نَحْوَكَ مُهَرْوِلَةً ولاَ تَطْلُبُ مِنْكَ غَيْرَ الابْتِسَامَةِ، وذِرَاعَيْنِ عَاشِقَتَيْنِ دافِئَتَيْنِ لِتُلْقِي عَلَيْكَ جَسَدَهَا الطَّرِيَّ النّاعِمِ. اسْتَلْقَيْتُ إلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ مَائِيَّةٍ، ونَسِيتُ أنِّي هُنَا..

 

هَكَذا تَتَحَوّلُ الطَّبِيعَةُ أمَامَ نَاظِرِي وكَأنَّهَا تُنَبِّهُنِي أنَّ كُلّ مَا فِي الكَوْنِ دَائِم التَّحَوُّل والتَّبَدُّلِ، وأنَّ كُلّ مَنْ يَفْتَقِدُ المُرُونَةِ العَقْلِيَةَ وَالجَسَدِيَةَ مُعَرَّضٌ للانْقِرَاضِ،  َلَمْ يَنْجَحِ  الدَّيْنَصُورُ فِي مَعْرَكَةِ الانْتِقَاءِ، ولَكِنَّ كَائِنَاتٍ صَغِيرَةٍ تَمَكَّنَتْ مِنَ الصُّمُودِ والبَقَاءِ، ووَاصَلَتْ مَسِيرَةَ الحَيَاةِ، رِحْلَةَ الوُجُودِ. وَلأنَّ الإنْسانُ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الطَّبِيعَةِ، فَعََلَيْهِ أنْ يَتَوَاصَلَ ويَتَفَاعَلَ ويَسْتَجِيبَ...وإلاَّ أصْبَحَ مِنْ جِنْسِ المُتَحَجِّرَاتِ...يَحْيَا مُحَنَّطًا كَالمُومِيَاتِ، لاَ يَصْلُحُ إلاَّ لِلْمُخْتَبَرَاتِ، ومَا يَنْطَبِقُ علَى الفَرْدِ يَجْرِي علَى الجَمَاعَةِ وثَقَافَتِهاَ وحَضَارَتِهَا.

 

إنَّ أكْثَرَ مَا أخْشَاهُ هُوَ أنْ أفْتَقِدَ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الّتِي أحْيَاهَا فِي تَنَاغُمٍ تَامٍّ مَعَ نَفْسِي والعَالَم، أعْرِفُ أنّ لَحَظاتِ المُتْعَةِ هَذِهِ لَحْظِيَة، آنِيَة ولَكِنْ أدَرِّبُ النَّفْسَ لأنَّ تَجْعَلَهَا تَدُومُ وتَسْتَمِرُّ أكْبَرَ وَقْتٍ مُمْكِنٍ، ولِمَ لاَ دَهْرِي كُلّهُ...

 

يَعْتَقِدُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أنَّ الاطْمِئْنانَ والرِّضَا يُمْكِنُ الحُصُولُ عَلَيْهِمَا خَارِجَ دَوَاتِنَا: فِي جَمْعِ المَالِ، وامْتِلاَكِ العَقَارِ، وأكْلِ أشْهَى الطَّعَامِ، ومُعَاشَرَةِ أجْمَلِ النِّسَاءِ... مَنْ يَعْتَقِدُ هَذا فَهُوَ إمَّا مَخْدُوعٌ، أوْ يَُخَاْدِعُ نَفْسَهُ، أوْ لاَ يُحَبِّذُ رُؤْيَةَ الحَقِيقَةِ المَاثِلَةِ أمَامَ نَاظِرَيْهِ لأنَّهَا تُفْسِدُ عَلَيْهِ بَلاَدَتَهُ، وَلاَ شَكَّ أنَّ مَنْ ذَاقَ هَذِهِ الأشْيَاءَ يَشْعُرُ بالْمَلَلِ والسَّأمِ لأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ تُوجَدُ رَغَبَاتٌ مَا تَسْكُنُ أعْمَاقَهُ ولَمْ تَتَحَقَّقْ، وسَيَظَلُّ يَبْحَثُ عَنْهَا إلَى الأبَدِ وأُرَاهِنُهُ أنَّهُ لَنْ يَعْثُرَ عَلَيْهَا قَطُّ، لأنَّهُ ظَلَّ الطَّرِيقَ إلَيْهاَ.

 

لَقَدْ عَلَّمَتْنِي التَّجْرِبَةُ أنَّ شُعُورَ الذَّاتِ بالسَّعَادَةَ عِنْدَ امْتِلاَكِهَا أشْيَاءَ العَالَمِ الخَارِجِيَّ سُرْعَانَ مَا تَزُولُ وتَتْرُكُ المَجَالَ لِلْقَلَقِ والْحَيْرَةِ نَتِيجَةَ عَدَمِ الإشْباَعِ، فَتَبْحَثُ مِنْ جَدِيدٍ عَنْ أشْيَاءَ جَدِيدَةٍ تَقُودُناَ حَتْماً إلَى نُقْطَةِ البِدَايَةِ.

 

مَنْبَعُ السَّعَادَةِ الرُّوحِيَةِ والنَّفْسِيَةِ هِيَ المَقْصِدُ والمُبْتَغَى ولَنْ تَعْثُرَ عَلَيْهَا أبَدًا فِي عَالَمِ النَّاسِ، إنَّهَا فِي أعْمَاقِنَا البَعِيدَةِ الغَوْرِ، وعَلَيْنَا أنْ نَعْرِفَ كَيْفَ نَمُدُّ قَنَوَاتِ المَاءِ لإرْوَائِهَا، وَأنَا علَى يَقِينٍ لَوْ حَفَرْنَا  قَلِيلاً سَتَتَفَجَّرُ المَنَابِعُ، وتَصْحُوا السَّنابِلُ، وتَفُوحُ مِنَّا وفِينَا العُطُورُ، ونَرَى الحَيَاةَ كَمَا لَمْ نَرَهَا مِنْ قَبْلُ، ونَحْيَا حَيَاةً دَاخِلِيَّةً آمِنَةً وَمُطْمَئِنَّةً...

 

تُرَى مَا فاَئِدَةُ الدّنْياَ الواَسِعَةِ إذَا كَانَ حِذَاؤُكَ وَاسِعاً......؟

 

 

 

 

 

  

Par الأحلام الآتية - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 22 décembre 2009 2 22 /12 /Déc /2009 20:04

  

المَسَاءُ البَاردُ يرْسُمُ حَوْلِي مَداراتٍ دَافئَةٍ، يَنتَشِلُنِي مِنْ ضَجِيجِ أيَّام النَّاسِ، يَلُفُّنِي بِلِحَافٍ شَفَّافٍ بَنَفْسجي، يضُمُّنِي إلَى صَدْرِه ويَحْكِي لِي عَن أزْمِنةٍ ولَّتْ، وأخْرَى سَتجيءُ، أنْصِتُ لَهُ كَوَليدٍ تُهَدْهِدُهُ عَذْرَاءَ وهُو يَتلمَّس بِِشَفَتيْهِ البَريئَتيْنِ حَلَمَة ثديِْهَا بَحْثا عَنْ مَنبَعِ حَليبٍ جَافٍّ و لْلأسَفِ لاَ يَمْتصُّ غَيْرَ الخَواءِ، أتْعَبَهُ مَصّ الحَلَمَتَيْنِ ومَتَى أشَاحَ بِوجْهِهِ مَدَّتْ لَهُ نَهْديْهَا لتعَوِّضَ مِنْ شفتيْهِ البَريئَتيْنِ شَهْوَتهَا المَقمُوعَة، هكَذا تَخْذلُنِي حَوَاسِّي في التِقاطِ  جُنُونِ اللَّحْظةِ.

 

يأخُذُنِي المَسَاءُ بَعيدًا، يُهَجِّرنِي إلَى المُدُنِ السُّفْلَى يَقُودُنِي بَيْنَ الأدْغَالِ المُلْتَفَّةِ  فِي جُغْرَافيَةِ  ذاكِرَةٍ بِلاَ تَضارِيسَ، أنْبُشُ فِي قيعَانِها ربَّمَا وََجدْتُ بَقايَا آثارٍ نَسِيَتْها مَعَاوِلَ الهَدْمِ، فَجَحَافِلُ الوَقْتِ مَرتْ مِنْ هَا هُنَا، ومِنْ هَا هُنَاكَ، ومَا تَرَكَتْ سِوَى مَفازَاتٍ عَطْشَى.

 

يَهْمِسُ لِي المَسَاء بِِِحَفِيفِ أغْصَانِ شَجَرَةِ لَوْزٍ مَنْسِيَةٍ، وشُجَيْرَاتِ الزَّيْتُونِ البَرِّيَةِ إذْ تَخْفُقُ وتَهُشُّ لِهبَّاتِ نَسَائِم ربِيعِيَّةٍ وكأنَّهَا تُحَيِّي العَابِرِينَ مُعلِنَة حُضُورَهَا الأزَلِي فَوْقَ تِلاَلٍ مُوَشَّاة بِِطَلائِع نَبَاتِ الزُّقُّومِ المُتعَانِقَةِ، والمُحْتَمِيَةِ بَعْضُهَا ببَعْضٍ علَى صَهَوَاتِ الصُّخُورِ المُنكَسِرَةِ.

 

الوَهَجُ الأحْمَرُ للغُرُوبِ إشَارةٌَ أنّ البَشَرَ الذِينَ تَرَكْتُهُمْ ورَائِي غَارِقُونَ الآنَ فِي دِمَائِهمُ المُلَوّثةِ بالأَحْقَادِ والضَّغائنِ والتآمُرِ علَى بَعْضِهمُ البَعْض، غَارِقُونَ فِي حُرُوبِهِم العَبَثِيةِ الصَّغِيرةِ واليَائِسةِ، وفَضَلاتِ ألسِنتهمُ الكريهةِ، تَرَكْتُهُمْ غَيْرَ مَأسُوفٍ عليهمْ لبُؤْسِهمْ وخُبْثِهِمْ، وضَمَائِرِهمُ المَيِّتةِ، تَرَكْتُهُمْ غَيْرَ مَأسُوفٍ عَلَيْهِمْ فِي يَدِ الشَّيْطَانِ الذِي بَايَعُوهُ إلاَهًا  لِقلَّةِ حِيلَتِهمْ أمَام جَهْلِهمِْْ وبَلادَتِهِمْ، تَرَكْتُهُمْ يَذْبَحُونَ بَعْضَهمُ البَعْضَ إلاَّ مَنْ رَحِمَ نَفْسَهُ، وقِلَّةٌ مِنْهُمْ مَن رَحِمُوها، يُتَاجِرونَ بأعْراضِهمْ وأعْرَاضِ النَّاسِ، يَبِيعُونَ أصْدِقائَهُمْ بأبْخَسِِ الأثْمَانِ، يَقْتُلُونَ كلَّ مَا هُو جَمِيلٌ فِي عَالمٍ جَعَلوا مِنْهُ مَزْبَلَةً وقَذَارَةً لِرَغَبَاتٍ حَقيرةٍ.. يَتمنونَ لوْ أنَّ كلَّ الأزْهارِ الجَميلةِ ذَبُلَتْ، وكُلّ الحَناجِرِ المُغَنِّيَةِ سَكَنَتْ، وكلّ الأقْلامِ الحَيَّةِ ماتَتْ، وَبِئْسَ ما يَشْتَهُونَ.

 

أدْخُلُ بَوَّابَة هَذَا المَسَاء لَمَّا فتَحَ بَابَهُ علَى كُلِّ الأحْلاَمِ الجَمِيلَةِ بِِِقََلْبٍ يَشِعُّ ضَوْءً ونُورًا، أتَوَشَّحُ فَرَحِي وَحُزْنيِ وأمْضِي بَاحِثا عَنْ صَبَوَاتِ الحَقِيقَةِ المُسْتَحِيلةِ، لاَ شَيْءَ يُوقِفُ شَهْوَتِي لِمُعَانَقَةِ مَا يُقدِّمه لِي مِنْ لَوَحَاتِ تَرْشَحُ سحرا ورَوْعة، تَهزُّني لتَنْتَشِلَنِي مِنْ بَلاَدَةِ وَقُبْحِ زَمَنٍ رَقيعٍ.

 

يَنْحَنِي المَسَاءُ روَيْدا نحْو الغرُوبِ، وقَبْلَ أنْ يَغِيبَ، يَهْوِي فِي مَمْلَكَةِ الظلاَلِ، يعُدُّ مَا علِقَ فِي الأفْقِ مِنْ أشِعَّتِهِ، وكَأنِّي بهِ عًابدٌ يُمَرِّرُ بَيْنَ يَدَيْهِ حَبَّاتُ مِسبَحَةٍ أرجْوَانِيَةٍ، أوْ رَسُّام يَقُومُ بآخِرِ اللَّمَسَاتِ علَى لَوْحَتِه. هذا المَسَاء الرًّبيعِي، هَذا الفَضَاءُ الفِرْدَوْسِي لاَ يَهْمِسُ إلاَّ لُغَةَ الطَّبِيعَةِ، سَفَّرَنِي إلَى أزْمِنةٍ نفْسِيةٍ مُتدَاخِلَةٍ، مَسْكُونَةٍ بالحُبِّ والجَمَالِ، بِالقُبْحِ والزِّيفِ، نَسِيتُ كُلَّ أشْيَاء النَّاسِ التَّافِهَةِ، وعَانَقْتُ سِحْرَ المَسَاءِ بِقََلْبٍ نَابِضٍ مُشْرِقٍ، لقدْ نَصَّبنِي  هَذا المَسَاءُ علَى عَرْشِ الخَيَالِ، وأمْسَتْ مَمْلَكَتِي زَاهيَةً مَحْفُوفَةً بالسِّلم والأمْنِ . أنَا أتَجَوَّلُ فِي رحَابِهَا السَّعِيدَةِ، وأنَا أنْأى بِهَا عَنِ الرُّؤَى الغَبِيَّةِ، والأرْوَاحِ البَلِيدَةِ، والأفئِدَةِ الصَّدِئَةِ الزَّائِفَةِ أشْعُرُ أنِّي أدَّيتُ رسَالَةً سَامِيَةً اتُّجَاهَ نَفْسِي، وبالعِشْقِ والسُّمُوِّ وحْدَهُ جَعَلتُهَا تَنْعَمُ بِحَيَاة مُطْمَئِنَّةٍ.

 

هَكَذا أجِدُنِي فِي عُزلَتِي أنْصِتُ لِهَمْسِ الكَوْنِ وإشْراقَهِ، أسْبَحُ فِي جَدْوَلٍ مِنْ تَراتِيلَ قُدُسِيَةٍ تتَكَسَّرُ عَلَيْهَا إيقَاعَاتِ كُلِّ النغَمَاتِ النَّاشِزاتِ.

 

تُرَى.. كَمْ يَحْتاجُ المَرْءُ مِنَ الوَقْتِ ليُعِيدَ خَلْقَ الإنْسَان فِيهِ مِنْ جَديدٍ، وبِالتالِي مُصَالَحَتِهَا ومُصَالَحَةِ العَالَم؟ وَحْده الإنْسانُ الغارِقُ فِي مَاديتِهِ يَنْفِي وُجُودَ الحَقِّ والصِّدْقِ والجَمَالأعْشَقُ كَثِيرا أنْ أتَلَوَّن بلَوْن الأشْيَاء فِي عُذْرِيَتِهَا، فِي فِطْرِيتِهَا...حِين أكُونُ صَخرا، أعْرِفُ جَيدًا كَيْفَ أُعَرِّضُ جَسَدِي لتنحَتهُ الرِّيحُ، وحِينَ أكُونُ رَمَادا، أعْرفُ أنَّهُ منِّي سَتُبعثُ الحَياةُ في صُورةِ طََائرِ الفِينِيقِ، وحِينَ أكُونُ رِيحًا، أعْرفُ أن العَاصِفة التِي أحْمِلُها فِي أحْشَائِي سَتتحَولُ مَاءً وخضْرةً.. مَا يُخيفنِي ويُفزِعنِي هُو أنْ أكُونَ "إنْسانًا" في صُورتِهِ البَشِعَةِ التي يُوجَدُ عَليْها اليَوْم... وحْدَه الإنْسَانُ مَن يتَسَلى بتدْمِيرِ نفْسِهِ بنفْسِهِ.

 

هَكَذا أرَانِي أتدَحْرجُ بِبطْءٍ خَارِجَ لاَ زَمَان ولاَ مَكَان النَّاسِ، أطْفُو بلاَ أجْنحَةٍ، بلاَ شِراعٍ، لاَ مَاضِي لِي ولاَ مُسْتَقْبل، أنَا الحَاضِرُ فقَطْ، ولا شَيْء خَارِجَ الحَاضِرِ.

 

هَذا المَسَاءُ يُعْْلمُنِي بِرَحِيل النُّور وقُدُومِ الظُّلْمَةِ، لَكِنَّهَا ظُلْمَةٌ أتَرَقَّبُهَا بِشَوْقٍ لتَنْتَشِلَنِي مِنْ غَشَاوَةِ الضَّوْء، فَأنا أشْعُرُ بِالعَجْزِ علَى تَبَيُّنِ الأشْيَاءِ فِي واضِحَة النَّهَارِ. وَحْدَهُ الليْلُ سَيُّدُ الرُّؤَى.

Par الأحلام الآتية - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 22 décembre 2009 2 22 /12 /Déc /2009 20:01

 

أجْلسُ علَى صَخْرةِ وَسَط النَّهْرِ، عَارِيًا أجْلسُ، أرْغبُ في العَودَةِ إلَى بِدائِيَتِي، أرِيدُ أنْ يُلامِسَ جَسَدِي كلَّ الأشْياءِ التِي تَحُوطُنِي: المَاءُ والهَواءُ والتُّرابُ والرَّمْلُ والأعْشابُ.. أنَا الآنَ أعِيدُ ترْتيبَ حَياتِي.

 

أسْتَعيدُ زَمنَ الأَمْسِ حينَ غادَرتُ البَيتَ وقدْ عَزمْتُ على الخُلوةِ.. أشياءٌ كثيرةٌ تشدُّنِي إلى عَالمِ النَّاسِ، لَكنْ قرَّرتُ أنْ ألْغِي كلَّ الالتزاماتِ، وكلّ المَشَارِيع الصَّغيرَةِ التِي أحَاوِِلُ منْ خِلالِها أنْ أعْطِي مَعْنًى لِوجودِي، صَعدْتُ الطريقَ الجَبلِي الذِي يَختَرِقُ البَلْدَةَ، أسِيرُ وأنا مَشْدودٌ إلى الجُدْرانِ الطِّينيَّةِ المُتَهَدِّلَةِ مِنَ الجَبَلِ وهِي تَحْكِي لِي حِكايَةَ البِِدايَاتِ، تَهاوَتِ البُيوتُ وانْزاحَ السِّتارُ، وانْكَشفَ مَا كاَنَ مَسْتورَا:

لكِ ياَ مَنازِلُ فِي القُلوبِ مَنازِلُ

 

هَكَذا قَالَ الشَّاعرُ ذاتَ حُزنٍ وشَوْقٍ شَبيهٍ. وكُلمَا أمْعَنتُ النَّظرَ غُصْتُ فِي الزَّمَنِ البَعيدِ، أشْتمُّ، أسْمَعُ َتَدَوَّقُ أشْعُر.. كَانَ كُلّ بَيتٍ مِن هذهِ المَنازلِ يَحْضُنُ إحْسَاسًا ورُؤَى وأحْلاَم. الآمَالُ انْطَفأتْ، ولمْ يَبْق مِنهَا غَير أطْيافٍ وأشْباحٍ، كُل شَيْءٍ عَادَ تَدْريجٍيا إلَى طَبِيعَتِه الأُولَى: التُّرَابُ والفَناءُ  والغِيَابُ..

 

أجَلْ. المَوْتُ، كُل مَنْ يَتأمَّلُ فِي المَوْتِ لاشَكَّ تَنْتَابُهُ أحَاسِيسَ وأفْكَارٍ تُرْبِكُُ كُلَّ حِسَابَاتِهِ الآنِيَةِ والمُسْتقْبَلِيةِ، سَيَشْعرُ بالدُّوَارِ خُصُوصًا عِنْدَمَا لا يَمْتَلكُ رُؤْيَةً أوْ فَلْسَفَةٍ واضِحَةٍ لحَياتِهِ، ولَعَلَّ السُّؤالَ هُوَ: كَيْفَ أمْضِي إلَى مَصِيريَ المَحْتُومِ؟ هو أكْثَرَ الأسْئِلَةِ إثارَةً لِلْقَلَقِ، وتَبَيَّنَ لِي أنَّ القُدْرَةَ عَلَى العَيْشِ بِهُدوءٍ وسُكُونٍ وَمَحَبَّةٍ وعَطاءٍ هُوَ مَا يَمْنَحُ الحَيَاةَ المُسَالَمَةَ..

 

اسْتَوْقََفَتْنِي الأطْلالُ وأنَا ذاهِبٌ إِلَى عُزْلتِي كَمَا فَعَلتْ بالشَّاعِرِ العرَبيِّ البَدوِيِّ، ولَكنْ لاَ لأبْكِي مَحْبُوبَةً رَحَلَتْ، وإنَّما لأسْمَعَ هَمْسَ العُشَّاقِ، وحِكَايَاتِ الجَدَّاتِ، وصَخَبَ الأطْفَالِ وَوَجَعَ النِّسَاءِ، وزَغَارِيدِ الأعْرَاسِ، ونُوَاحَ المَآتِمِ.. لأتنَسَّمَ رَوائِحَ الجُدرَانِ الطِّينِيَةِ التِي اخْتَفَى بُناتُها، ورَوَائِحَ العُطُورِ البَدَويَّةِ، وأتذوَّقُ طَعْمَ المَوْتِ السَّاكِنِ بَينَ الأَطْلاَلِ، كَمْ هُوَ مَالحٌ طَعْم تُرَابُ هَذهِ الجُدْرانِ تمَامًا كالدّمُوع!.

 

مَشيتُ الطَّريقَِ الخَالِي، وكُلمَا تَعرَّجْتُ صُعُودٌا ونُزُولا بَيْنَ الوِدْيانِ، تَعَرَّجَتِ المَسَالِكُ فِي أعْمَاقِ ذاتِي، أحَاولُ أنْ أتَبيَّنَ مَلامِح وجْهِي، ومَلامِحَ مَنْ قاسَمُونِي الحَياةَ ذاتَ زَمَنٍ، أجِدُنِي عَاريًا مِنَ الجَميعِ، أرْتدِي وحْشَتِي وغرْبَتِي وأمْضِي بَاحِثا عنْ تِيهِي.. أبَدَّدَ جَسَدي وأوزِّعُهُ على الأمْكنةِ التي تَعْرفني ولا تعرفنِي، والأزْمِنَة التِي عِشْتُها ولمْ أعِشْها.. ومَا أرَاهُ عِيانًا وأنا الهَارِبُ إلَى عَالمٍ آخرَ لا يَعْدو أنْ يَكونَ مُجَرَّدَ أشْباحٍ تَمْضِي دُونَ أنْ تَدْرِي وِجْهَتَهَا.

 

ألقَيتُ بِجَسدِي فِي النَّهْر،أحْسَسْتُ بأناملهِ تُدغْدِغُ جَسَدِي.. نَشَأتْ بينِي وبينَ النَّهْر عَلاقَةٌ غامِضَةٌ لا أجدُ لََهُ تفْسِيرا، مُنْذُ أنْ تَعارَفْنا لَمْ نَفْترِقْ، تَقاسَمْنا أجْمَلَ اللَّحَظات كما تَقاسَمْنا أصْعبَها، كانَ ولا يزالُ أمِينَ أسْراري، أرْوَعَ مَا عَلَّمَنِي صَلابَةَ الصُّمُودِ والمُقاوَمَةِ، علَّمَنِي أنْ أنْحنِي عِنْدَ هبُوبِ عَاصِفةٍ هَوْجاءَ، وأشْمَخُ عِنْدَمَا يَصْفُو الجَوُّ، وتَعْتَدِلُ الريحُ.. مَا يَهُمُّنِي أنِّي الآنَ في لحْظةِ اسْترْخاءٍ قُصْوَى، يَزيدُ منْ مُتْعتِها أصْوَاتُ العَصَافيرُ وخَرِيرُ المَاءِ وحَفِيفُ أوْرَاقِ الأشْجَارِ.

 

    ولَعلَّ أصْعَبَ ما لَقِيتُهُ وأنا مُقبلٌ على هذا المَشْروعِ هُو كيفَ يُمْكنُ أن أتَجاوزَ ذاتِي التي اعْتادتْ أن تعيش في القَطيعِ، وهلْ يُمْكننِي أنْ أكُونَ بدُونِ الآخَرِ، وكَيفَ أتمكنَ منَ التَّخَلُّصِ مِنْ عَادَةِ الخُضُوعِ والرُّكُونِ لِمَا عَلمُوني إيَّاه لِسنينَ طويلةٍ علَى أنَّهُ الصَّوابُ والحَقُّ؟

 

لاشَكَّ أنِّي سَأجِدُني مُضْطَرًّا لأكُونَ أنا المُتَّهمُ والقاضِي فِي نفْسِ الآن، عَليَّ أنْ أكُونَ الحَاكمَ والمَحْكومَ، الشرُّ والخيْرُ، الصَّوَابُ والخَطأ فلا مَعاييرَ سَأحْتَكِمُ إليْها إلا مَا أتعلمُه مِنَ الطبَّيعة، إنهَا المُعلمُ الأصِيلُ، ومَا علَيَّ إلا أنْ أكُونَ تلْمِيذا نَجيبًا، لَيْسَ لأحْصُلَ عَلَى أعْلَى التقْدِيرَاتِ وإنَّمَا لأحَافِظَ علَى حَياتِي، فليْسَ فِي العَالَمِ الذِي أنا إليْهِ ذاهِبٌ ضَمَاناتٍ.

 

لا شَيْءَ يُوجَدُ في هَذه اللَّحْظةِ خَارِجَ ذاتِي، أنَا الآنَ بلاَ أسْرةٍ، بِلاَ أصْدِقَاءَ، بِلاَ أهْلٍ، ترَكْتُ النَّاسَ ورَائِي، سأتَعَلمُ مِنْ جَديد أنْ أحْيا حَياة أخرَى، وأترَقَّبُ مَا سَتأتِي بهِ الأيامُ المُقْبلةُ.. 

 

Par الأحلام الآتية - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 22 décembre 2009 2 22 /12 /Déc /2009 19:57

 

  لمَن يَسألنِي عَن السَّبب أو الأسْباب التِي دَفعتْني للدُّخولِ فِي هَذه العُزْلَة أجيبُ فَوْرا بأنّي لاَ أعْرفُ السَّبَب، أعْرف فقَط أني لَمْ أسْتطِعْ أن أقاوِمَ الرَّغبةَ في الاخْتلاءِ بذاتِي. لَقدْ وَجَدْتُني أجْمَعُ حاجيَاتي الضّروريةَ وغيْرِ الضروريةِ وأبتعدُ عنْ عَالمِ الناسِ بَحثا عنْ نَفْسي، كَان يَتَمَلَّكُني دائِما شُعورٌ بالحاجَة للعَوْدةِ إلى ذاتِي وإعَادةِ اكْتِشافِها مِن جَديدٍ، رُبَّما أوْجَدْتُ مسافةً ًتُتِيح لي رؤْيتَها، تأمُّلَها مِن جَديدٍ..هَكذا إذا وَجَدْتُنِي على مَسافةٍ كَافيةٍ مِن قَبائلِ الناسِ ومشَاغلِي اليوْمِية لأحَدِّدَ بِصَفاءٍ ما كُنْتهُ وما أنا عليْه وما أرْغبُ في أنْ أكونَهُ..

 

اخترتُ أن أبْني خيمَتي عَلى ضِفة نَهْرٍ هادئ يَجري دَاخلَ أوْديةٍ عَميقَةٍ ومُتوَحِّشَة، في فَضَاءٍ يُغْري بالإقامَة. فَحِين تُديرُ البَصَر حَواليْك تَجِدُكَ مُحَاطا بالجِبالِ مِن كلِّ الجهَات، تُحَمْلقُ فيك بِكِبْرِياء لتُشعرَك بضَئالتكَ، وتفَاهتكَ، فلا صَوْتَ بَشَرِيّ يُؤْدِي سَماعَتَكَ، ويُزعِجُ راحَتكَ، كلُّ ما حَولكَ سَاكنٌ إلاَّ مِن أصْواتِ الطَّبيعَةِ..

 

ما أنْ بَنيْتُ خَيْمَتي، ورتَّبْتُ حاجيَاتي حَتَّى قُمتُ بِجوْلَةٍ اسْتطْلاعِيةٍ بِهَدفِ اسْتِكْشافِ المَكانِ، أشْعرُ بالرَّهبَة وأنا أسِيرُ مُحَاذيا ضِفَّة النَّهر، أحسبُنِي فَرْداً فِي هَذا الكَون المُتَرامِي الأطرافِ، لأوَّلِ مَرَّة أحِسُّ أنَّ الكَونَ بلا بدَايَة وبلا نِهايَة، ومَا أنا إلا ذَرَّة غُبارٍ بلا شَكلٍ ولا طَعْمٍ ولا لوْن.

 

بَدأ الَّليلُ يَنْزلُ بَطيئًا، وانْطلقْتُ في أعْمَاقي مَشَاعِرَ لمْ أكنْ قطُّ أعْرفُها قبلَ هذه اللَّحْظةِ، ها أنا ذا أكتشفُ بَعْضًا منْ نفْسي الذي كنتُ أجْهله، خَوْفٌ بِدائِيٌّ يَتَملّكُنِي وأنا أرَاقبُ مِنْ داخلِ الخَيمَةِ مَا يَجْري حَوْلي:"عليّ أن أتغلَّبَ على هذا الخَوفِ الذي تَحَرَّر مِن عِقالهِ في دَوَاخلِي علَى حِين فَجْأة.. عليَّ أن أذْهَبَ بِهذِه العُزلَة إلى آخِرها". وهذا مَا حَصَل بالفِعلِ، شيْئا فَشَيئا بدأتُ أستعيدُ الثقةَ فِي نَفسِي:"سأُصْبحُ جزءً منْ هَذا الفضَاءِ البِدائِي وما عليَّ إلا أنْ أتغلبَ على وحْشتهِ الرَّهيبَة

 

صَعبٌ عَلى مَنْ تَعَوَّدَ أن يُخبِّئَ خوفه بينَ جُدْرانِ الإسْمَنتِ وخَلْف الأَبْوابِ الحَديديةِ أن يَطمَئنَّ إلى هَذا الخَلاءِ المُفْزِعِ. وصَعْب على مَن دَأبَ إخفاءَ ذاته في ذواتِ الآخرينَ أنْ يَجد نفسَه وجْها لوَجْه مَعها، وفي كامِل عُريها. في مِثلِ هَذهِ المَواقفِ النَّاذِرةِ فقَطْ يكْتشِفُ الشَّخْصُ مَدَى صَلابَةِ أوْ هَشاشَة مُقوّمَاتهِ النفْسِيةِ والرُّوحِيةِ والجَسَديةِ..ومَدى قُدرَتهِ علَى مُواجَهة المَواقِفِ الجَديدةِ ولا سِلاحَ لهُ سِوى دِفاعاتهِ الذاتيةِ والطبيعيةِ..

 

وأنا أغادرُ الخَيمة، وأجِيلُ النظرَ بَدا لي أنْ لا وجْه للألوان التي كَانتْ مُنْذ وقْتٍ قَصيرٍ زاهِيةً، والمَاءُ غيَّر شَكلهُ، واحْتلَّتِ العَتْمَة المواقعَ التي تخَلَّى عنَها البياضُ، أصْبحتِ كل الأشياء مُتشابهَة. جَوقةُ النَّهارِ رحَلتْ لتَحلَّ مَحلَّها جَوقةُ الّليلِ، اخْتلفَ العازفونَ واخْتلفتِ الإيقاعَاتِ، جاءَ العَرضُ المُوسِيقي فِي غايَة مِن الإثارًة والانْسِجام، سِيمْفونِية جدَيدَة، مِهْرجانٌ للأصواتٍِّ المألوفةٍ وغيْرِ المألوفةِ لأذنِي، أرَدتُ أن أشارِكهُم الحفلَ حتّى أتناسَى خَوفِي لكنَّ عَزْفِي جاءَ تقلِيدا باهِتا، مُشوَّها ومَمْسُوخا، لَقدْ أرْغَمُونِي علَى الصَّمْتِ والاسْتِمَاع..

 

مَعَ مُرور الوَقتِ بدأتْ ألْفَةٌ عَجيبَةٌ تُنْسجُ بينِي وبَينَ المَكان، وتَقليدا لأجْدادي البدائيينَ أوْقدتُ نارا خَفيفةً بالقُرِبِ منْ ضِفةِ النَّهرِ لأطْرُدَ الأشْباحَ التي تسْكنهُ، وأهَيئُ فنجَان قهْوةٍ أسْتدفئُ بهِ، ورُحْتُ أتَسلَّى بإلقاءِ الطَّعَام إلَى الأسْماكِ التِي تلُوحُ لامِعَة وهِي تقْفزُ لِتلتقِطَهُ بِخِفَّةٍ ورَشاقَةٍ..مَرّتْ لَحظاتٌ وأنا علَى هَذهِ الحَال قبلَ أنْ يَنتشلُني منْها ضوءٌ ساطع غيَّر الأشْكالِ والأصْوات بإِطْلاَلَتِه المُدهِشةِ والمُثيرةِ، وسَرَتْ بين المَخْلوقاتِ روحٌ غريبةٌ وحَّدَتْ بَينِي وبَينَها فرأيْتُنِي فِي المَاءِ والأسْماكِ والبُومِ والجنادِب وأوْراقِ الأشْجارِ..الكلُّ يهلِّل ويُسَبِّح لِطلوع القَمَر الذي يَنثُرَ لحَافهُ الفضّي منْ أعالي قمَمِ الجِبالِ علَى الوَادي، لَمْ يَحُصُلْ لي أنْ رَأيْتُ القمَرَ في مِثلٍ هذهِ الرَّوعَة والجَمَالِ والجَلال، إنَّهُ إلَهٌ صَغير عَظيم يُهَدهِدُ الأجْسادَ والأرْواحَ بنورٍ قُدُسِي، إنّهُ يَمْنَحُنا بَركاتِهِ ودَعَواتهِ، يَمْسَح علَى رُؤوسِنا، يُهدَّئُ رَوْعَنا ويَخلقَ فِي أنفُسنَا الأمَانَ والسَّلمَ والحُب..هِي لَحْظةٌ ناذِرةٌ سَتَجعَلنِي أتَرقَّبه كلَّ لَيلَةٍ حَتّى أتمَسَّح بأذيالِه النَّقيَةِ الظاهِرةِ. اليَوْم فَقَط أدْرَكْتُ لِمَ سَجدَ لهُ الكَهنةُ والأنبياءُ.

 

 

Par الأحلام الآتية - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Mardi 22 décembre 2009 2 22 /12 /Déc /2009 19:55

 

 

في صَمتِ العُزلةِ يتكلم الكونُ، بهَمْسٍ صامتٍ يتكلم، فيتغلغلُ صَوتهُ إلى أبعَد فجْوة في الذاتِ لينيرَ بعْضا من دَهاليزِها الخَفيةِ، وكلُّما أضِيء جانبٌ منْها إلا وشعرتُ أني أكتشفُ شيئا جديدا مُتوارياً في مَكانٍ ما مِنْ أعمَاقي الهاربَة منِّي، أسْتشْعِرُ لذةً غريبةَ الطعْمِ، لذة مُمتِعةَ المَذاقِ، لكنّها ـ وهذا يُحزِنُني ـ لذةً آنية ولَحْظية سُرعانَ ما تنزلقُ منِّي خصُوصا عِندما أنتبهُ أن في دَواخلِي دَهاليزَ عديدةً لا تزالُ في حاجَة إلى الإضاءَة..ولأن لديَّ رغبة في اكتشاف المزيدِ منها فأنا أرْحلُ في عُزلةٍ وراء عُزلة..والغريبُ أني في كل مَرة أعتقِد أني وصلتُ إلى المُراد أجِدُني أجْهلُ من جاهلٍ، والذات غَوْر سَحيقٌ، ومَتاهةٌ لا منفذَ لها، وهُوَة ٌلا نهاية لها، وما يُغْريني بمُمارسَة هذه اللعبة العبثيةَ هي السّعادةُ التي أشْعرُ بِها كلّما أمْسكتُ جانبا مِنها..ومع مُرور الزّمنِ والأيام أصْبحتِ العُزلةُ طريقا لي إلى المَعْرفةِ: معْرفةُ الذات، مَعرِفة العالَمِ..

 

وحين أتحدثُ عنِ المعْرفةِ فأنا لا أقصدُ بها المَعْرفةَ العَقليةَ المَبنيةَ علَى المَناهج التجريبيةِ، ولا تلكَ المَعرفةَ التِي تَسْعى إلى فَهْم العالمِ على أسُسِ منَ المنْطقِ الذي يَعتمدُ البرْهنة والاسْتِدلال، كمَ أسْتبعدُ المعْرفةَ الحدْسيةَ القائمة على الإحساس بالحَقيقةِ بدونِ الحاجَةِ إلى البرْهنةِ الرياضيةِ الصّارمَة، ولا أقْصدُ المعرفةَ الإشراقية التي تَرى أنَّ المعرفة الحقيقية تأتيكَ إشْراقا ونورا وإحْساسا غامِضا يلبسُك ويصْعبُ عليك أن تُعبِّر عنه باللغة لأنَّ الألفاظَ الموْضوعَةَ لا تَتحمّل المَعاني النّورانيةِ، والربّانية التِي لا تُشرِقُ إلا في قلْبِ الزاهدِ والمتَصوفِ والعابد المنقطع..ولكنْ أعْني بها المَعْرفة الصامِتة، الهادئة، تلكَ التي لا تحتاج إلى مُفرداتٍ أو مبررات عقلية أو حَدْسِية..إنها مَعرفةٌ سَاكنة كسُكونِ النَّسيم تحتَ الرّياحِ الهَوجاءِ، وهُدوءِ مَاءِ البَحر تَحت هَديرِ الأمْواج الصّاخِبةِ، هيَ مَعرفةٌ تُشبه حُبوب الثِّمَار الناضِجِةِ، نأكل الثمَار، نَمتَصُّ الرّحيقِ، ونَعتقدُ أنَّ السِرَّ في حلاوة الفاكهة، وننْسى أنَّ الحقيقة تكمُنُ في نَواةِ الثّمْرة، اللُّباب الرّطبُ المُغذي والحُلو هُو ما توهِمكَ به الثمَرة، وما يثير لُعابك وشهْوتك، هو أسلوبُها الذكيِّ لحِماية نفْسِها منَ المَوتِ، مِن الفناءِ، مِن الفُقدان..فقلبُ الثمَرة الصَّلب والمُرِّ الذي تنفُر منْ أكْلهِ، تتقززُ منْه ثم تَرميهِ هُو مَن سَيبعثُ الثورةَ منْ جديدٍ: ثوْرةُ الحَياة.

 

لا أريدُ أن أكررَ وأعِيدُ ما يَعرفهُ الجَميع بأنَّ العُزلَةَ هيَ التي أبْدعتِ الحَضارةَ والثَّقافة، فالعُزلةُ أشْبهَ بالحَمامةِ البريَّة التِي لا تبيضُ سِوى بيْضتَينِ. فمِن العزلةِ خرجَ العالِم والشاعِر والعازِف..ولكن عزلتي أنا منْ صِنفِ آخر، هيَ مِن صِنف عُزلةُ وجودٍ بألوانٍ طيفيةٍ تقتحِمني وأقتحمُها، ونقتحمُ بعضنا البعض تُحَوِّلني إلى شتى الألوان، شتّى الأشْكالِ، شتَّى الروائح، تَمنحُني القدرةَ والصّبرَ على التّحمُّل والتقدمِ نحْو المُستقبلِ، تُشعِرني ببَهاءِ الحَياة إذ أتقدم بخُطى حثيثةً نحو الموتِ.

 

Par الأحلام الآتية - Publié dans : أيام في العزلة - Communauté : تأملات
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires

Recherche

Profil

  • موقع الكاتب الشاعر الباحث ا
  • Le blog de الأحلام الآتية
  • Homme
  • art photo Culture photographie poésie
  • * شاعر وكاتب وباحث. * poète ecrivain chercheur.

Calendrier

Juin 2012
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30  
<< < > >>

Présentation

Images Aléatoires

  • الوثيقة 91
  • حوار في منتدى صدانا
  • منظر من بحيرة تامدة
  • فلكلور ابزو 2008-copie-2
  • 28/11/2011مع الشاعرة ليلى ناسيمي
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus - Articles les plus commentés